أحمد بن أحمد بن محمد المطاع
13
تاريخ اليمن الإسلامي من سنة 204 ه إلى سنة 1006 ه
والاقتصادية وكيفية سير العلوم والمعارف وسير الأدب وعوامل العمران وكل ما له علاقة بالأمة ، وغاية ما صرفوا فيه عنايتهم أخبار الحروب ، ووصف المجازر الدموية ، والملاحم البشرية ، وحياة الملوك ، وذكر العزل والتولية ، وما إلى ذلك من الحوادث الطبيعية كهطول الأمطار ، وفيضان الأنهار ، وأخبار الزلزال والبراكين ونحو ذلك . ولعل ذلك الداء سرى إلى المؤرخين من مدلول كلمة تأريخ الفارسية التي معناها التوقيت ، ولو أنهم عدلوا عنها إلى الكلمة اليونانية ( هستوريا ) ومعناها الرواية والتحقيق لكانت طريقتهم فيما أخال غير ما كان . ولم تزل هوة البعد عن الحقائق والغرض الأصلي من كتابة التاريخ تتسع حتى أصبح سلطانه منهار الجرف ، منقض الدعائم لطول ما عبثت به أحداث الزمان وأحداث الانسان في عصور الوهم وأزمنة الانحطاط ، وصار أسوأ من الأدب حظا ، وأنحس منه طالعا ، تتلاعب به أدمغة العجائز وألسنة القصاصين والممخرقين والمخرفين ، محشوة أسفاره بالخرافات والأكاذيب إلا النادر القليل . وسواء في ذلك من عني بتاريخ قرن أو حكومة أو قطر ، أو من اشتغل بالتاريخ العام ، وإنك لتجد كثيرا من المؤرخين وغيرهم يعتبرون المؤرخ « كحاطب ليل » ، ومنهم من جعل هذه الكلمة تكأة له في سيره المغلوط ، فاشتبهت عليه المخارج والموالج ، واختلط لديه الحابل بالنابل ، فجمع الغث والسمين ، ومزج الممكن بالمستحيل ، وليت الخطب وقف عند هذا المرض القتال ، والداء العضال ، وهو مزج الصحيح بالسقيم ، وخلط الجائز بالمستحيل ، ومجانبة النقد وعدم التمحيص ، ولكنه تعداه إلى ما هو أدهى وأمر ، وأسوأ حالا مما مر ، وذلك ما أشار إليه الأستاذ المعاصر محمد كردعلي بقوله : « كان المؤرخون بعد القرون الوسطى بين عاملين قويين إما أن يكذبوا فيغضبوا الحق أو يصدقوا فيغضبوا الخلق » . وقال العلامة الفيلسوف